قهوة الذاكرة
فِي مِحْمَسِ المُرِّ كَوْنٌ بَاتَ يَشْتَعِلُ
نَشْوِي بِهِ الأَلَمَ الـمَخْبُوءَ يَنْتَصِلُ
نَارٌ تُقَدِّسُ هَذَا الصَّمْتَ، رِحْلَتُهَا
رُوحٌ تُفَتِّشُ عَمَّا غَابَ تَتَّصِلُ
كُلُّ الـمَوَاجِعِ فِي نِيرَانِهَا نَضِجَتْ
فَمَا لِغَيْرِ عُلَا الإِصْرَارِ نَمْتَثِلُ
مَا هَزَّ "مِهْرَاسَنَا" سَهْوٌ، وَلَا لَعِبٌ
لَكِنَّهُ الـقَدَرُ الـمَحْتُومُ يَنْتَخِلُ
تِلْكَ الـحُبُوبُ سَوَادُ العَيْنِ، كَمْ خَبَأَتْ
حُلْمًا عَصِيًّا إِلَى الرَّحْمَنِ يَبْتَهِلُ
نَفُتُّ قَلْبَ الحَصَى شَوْقًا، فَمَا تَرَكَتْ
فِي ذَرَّةِ البُنِّ إِلَّا نَبْضَ مَنْ ثَمِلُ
تُصَاهِرُ النَّارَ، لَا تَشْكُو لَظَى سَقَرٍ
حَتَّى تَرَقَّى بِهَا فِي رُوحِنَا الأَمَلُ
بُخَارُهَا لُغَةٌ لَمْ يَدْرِهَا بَشَرٌ
بَلْ نَبْضُ أَنْفَاسِ مَنْ لِلْـخُلْدِ تَرْتَحِلُ
سَوَادُهَا لَيْسَ لَيْلًا ضَلَّ نَجْمَتَهُ
بَلْ حِكْمَةُ الضَّوْءِ فِي الظَّلْمَاءِ تَعْتَزِلُ
مَلِيكَةٌ فِي مَقَامِ الكَيْفِ، مَنْزِلُهَا
عَرْشُ القُلُوبِ، فَلَا زَيْغٌ وَلَا مَلَلُ
تَمِيسُ عُجْبًا وَتِيهًا فِي أَعِنَّتِهَا
كَأَنَّهَا فَوْقَ عَرْشِ الكَيْفِ تَرْتَجِلُ
مَرِيرَةُ الطَّعْمِ لَكِنْ فِي حَشَاشَتِهَا
تِرْيَاقُ رُوحٍ عَلَى الأَوْجَاعِ يُتَّكَلُ
فِنْجَانُنَا مِرْوَدُ الأَكْوَانِ، آنِيَةٌ
تَمْتَصُّ كُلَّ ضِيَاءٍ حِينَ يَكْتَحِلُ
تِلْكَ المَرَارَةُ حِينَ البَوْحُ يَعْجِزُنَا
وَهِيَ المَلَاذُ إِذَا مَا ضَاقَتِ السُّبُلُ
نُهَنْدِسُ الوَقْتَ فِينَا فِي تَرَهُّبِهَا
فَكُلُّ ثَانِيَةٍ بِالـبُنِّ تَكْتَمِلُ
تَسْرِي مَعَ الدَّمِ، لَا لَيْلٌ يُؤَرِّقُنَا
بَلْ يَقْظَةٌ فِي مَدَارِ الفِكْرِ تَحْتَفِلُ
مَا انْصَاعَتِ السُّمْرُ إِلَّا حِينَ قَرَّبَهَا
لِلَّثْمِ شَوْقٌ، وَقَدْ أَوْدَى بِهَا الكَلَلُ
حَمْرَاءُ حِينَ اسْتَفَزَّ الشَّوْقُ ثَوْرَتَهَا
سَمْرَاءُ حِينَ لِهَوْلِ الخَطْبِ تَنْصَقِلُ
تُغَالِبُ القَيْدَ لَا يَلْوِي عَزِيمَتَهَا
صَبْرٌ عَتِيقٌ بِنَارِ الهَمِّ يَصْطَفِلُ
وَفِي مَدَارِ "صَبِرْ" جُذُورُنَا غُرِسَتْ
فَمَا لِأَيِّ رِيَاحِ القَهْرِ تَضْمَحِلُ
لَمْ تُسْقَ مَاءً، وَلَاكِنْ مِنْ مَوَاجِعِنَا
صِيغَتْ، وَمِنْ دَمِنَا المَفْدِيِّ تَسْتَهِلُ
جِبَالُنَا حَمَلَتْ لِلأُفْقِ سِرَّ رُبًى
تُرَابُهُ مِنْ عَبِيرِ الأَرْضِ يَنْتَهِلُ
يَمَانِيُونَ وَإِنْ جَارَ الزَّمَانُ بِنَا
صَبَبْتَ صَبْرَ "تَعِزٍّ" فَاسْتَحَى الأَجَلُ
صَبْرٌ تَعَتَّقَ فِي الآبارِ رِحْلَتُهُ
حَتَّى غَدَا فِي عُرُوقِ الصَّخْرِ يَنْهَمِلُ
نَسْقِي بِهِ الأَرْضَ، مَا جَفَّتْ مَنَارَتُهَا
طِينٌ أَبِيٌّ بِكَأْسِ الـفَجْرِ يَغْتَسِلُ
لَا تَسْأَلِ الـرِّيحَ عَنْ أَسْرَارِ قَهْوَتِنَا
فَسِرُّنَا فِي جُذُورِ الـمَجْدِ مُعْتَقِلُ
لَا تَنْحَنِي لِلرَّدَى مَهْمَا قَسَتْ ظُرُفٌ
وَفِي مَدَارِ العُلَا بِالـمَجْدِ تَنْشَغِلُ
تِلْكَ القَهَاوِيُّ طَقْسُ الصَّبْرِ مَلْجَأُنَا
نَشْقَى بِهَا لِيَصِيرَ العُمْرُ يَعْتَدِلُ
إِذَا انْتَهَى الوَقْتُ وَالأَشْيَاءُ تَنْسَحِبُ
يَبْقَى لَنَا البُنُّ عَهْدًا لَيْسَ يَنْخَذِلُ
غيث الحمادي
فتح في أبيات