إلى أبــــي
إِلَى أَبِي..
وَقَدْ خَانَتْهُ الذَّاكِرَة
كُنَّا صِغَاراً فِي تَبُوكَ النَّقِيَّةِ،
نَشْرَبُ الظِّلَّ مِنْ كَفَّيْكَ،
وَنَنَامُ فِي حُضْنِ الْبَدْرِ الَّذِي كُنْتَ.
الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ كَانَ أَوْسَعَ مِنَ السَّمَاءِ،
وَالسَّعَادَةُ آمِنَةً كَأَحْلَامِ الصِّغَارِ.
ثُمَّ جَاءَ يَوْمٌ انْقَلَبَ فِيهِ الْحَالُ فَجْأَةً،
وَدَخَلَتْ زَوْجَاتٌ أُخْرَيَاتٌ إِلَى الْبَيْتِ،
جِئْتَ بِهِنَّ لِتَكْتَمِلَ الْحِكَايَةُ،
فَمَا جَلَبْنَ لَكَ وَلَا لَنَا إِلَّا الشَّقَاءَ.
تَكَاثَرَتِ الزِيجَاتُ،
فَتَكَاثَرَتِ الطَّعَنَاتُ فِي جَسَدِ الطُّمَأْنِينَةِ،
وَمَزَّقْنَ الشَّمْلَ كُلَّ مُمَزَّقٍ،
وَزَرَعْنَ بَيْنَ أَبْنَائِكَ شَوْكاً
يُدْعَى أُخُوَّةً.
صِرْنَا أَغْرَاباً بِإِسْمِ أَبٍ وَاحِدٍ،
كُلٌّ يَحْمِلُ أُمَّهُ جُرْحاً عَلَى ظَهْرِهِ،
يَجُرُّ وَلَاءَهُ لَهَا،
لَا لِأَبِيهِ وَلَا لِرَحمٍ وَاحِدَةٍ.
كَانَ يَكْفِينَا أَنْ نَكُونَ أَبْنَاءَكَ،
فَصِرْنَا شَتَاتاً خَلْفَ زَوْجَاتِكَ،
وَرِثْنَا الْحِقْدَ كَمَا يُورَثُ الِاسْمُ.
وَالْيَوْمَ بَدَأَتِ الذَّاكِرَةُ تَخُونُكَ أَنْتَ،
تَتَسَاقَطُ أَسْمَاؤُنَا مِنْكَ كَأَوْرَاقِ شَجَرَةٍ فِي خَرِيفٍ مُبَكِّرٍ.
تَنْسَى أَحْيَاناً اسْمِي،
وَأَبْقَى أَنَا أَحْمِلُ كُلَّ الْأَسْمَاءِ
وَكُلَّ الْوُجُوهِ الَّتِي مَحَاهَا الْمَرَضُ مِنْكَ.
كُنْتُ أُرِيدُ يَوْماً أَنْ أَمْحُوَ الزَّوْجَاتِ مِنْ ذَاكِرَتِكَ،
فَجَاءَ الزَّهَايْمَرُ فَمَحَا أَكْثَرَ مِمَّا أَرَدْتُ:
مَحَا وُجُوهَهُنَّ،
وَمَحَا بَعْضَ وَجْهِي أَنَا،
وَمَحَا قِطََعاً مِنْ طُفُولَتِنَا فِي تَبُوكَ النَّقِيَّةِ.
هَذَا عَلِي..
يَحْمِلُ الشَّوْقَ وَالْعِتَابَ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ،
يَحْرِسُ الذِّكْرَى نِيَابَةً عَنْكَ.
صَبِرْتُ حَتَّى صَارَ الصَّبْرُ نَفْسُهُ جُرْحاً،
صَبْراً عَلَى فَقْدٍ بِلَا مَوْتٍ،
عَلَى غِيَابٍ وَأَنْتَ تَجْلِسُ أَمَامِي.
فَإِنْ غَابَتْ مَلَامِحُ الذِّكْرِ عَنْ عَيْنَيْكَ،
فَأَنَا مَا زِلْتُ هُنَا،
أَدْعُو لَكَ فِي اللَّيْلِ سِرّاً،
أَدْعُو لَكَ بِالصِّحَّةِ قَبْلَ الْمَغْفِرَةِ،
أَدْعُو أَنْ يُبْقِيَ اللَّهُ فِيكَ مَا تَبَقَّى مِنْ نُورٍ،
أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ رَاحَتَكَ وَسَكِينَتَكَ.
لَمْ تَغِبْ عَنْ قَلْبِي يَا أَبِي،
وَإِنْ غِبْتَ عَنْ نَفْسِكَ..
فَلَنْ أَغِيبَ أَنَا عَنْكَ.
يَا رَبِّ ارْحَمْ أَبِي،
وَرُدَّ عَلَيْهِ مَا تَبَقَّى مِنْ ذَاكِرَتِهِ،
وَهَوِّنْ عَلَيْهِ هَذَا الطَّرِيقَ الْمُوحِشَ،
وَأَعِنِّي عَلَى بِرِّهِ مَا حَيِيتُ،
حَتَّى نَلْقَاكَ فِي طِيبِ النُّورِ وَالْأَبَدِ.
كلمات علِي عبد الله الوهابي
علي عبد الله الوهابي
فتح في أبيات