غائب في الغمام
غَائِبٌ فِي الغَمَامِ..
وَعَيْنُ قَلْبِي تَرْتَقِبُ خُطَاكْ،
أَيُّ وَاشٍ نَفَثَ السُّمَّ فِي السَّوَاقِي؟
فَاصْفَرَّتْ غُصُونُ الرِّضَا..
وَانْكَسَرَ الضِّيَاءْ!
حَكَوْ بِيَ الزُّورَ فَارْتَشَفْتَ الشَّكَّ،
وَبَنَتْ بَيْنَنَا أَسْوَارُ الجَفَاءْ،
وَأَنَا هُنَا.. أَمْضُغُ الصَّبْرَ فِي مَنَافِي البُعْدِ،
بِلَا انْتِهَاءْ،
وَالدَّمْعُ مِلْحٌ أُجَاجْ..
لَا يُبَلِّلُ جَمْرَ الشَّوْقِ المُلْتَهِبْ.
وَيْلٌ لِمَنْ بَذَرُوا الكَذِبَ فِي أَرْضِ الوِدَادْ،
بَاعُوا دَمَ القَرَابَةِ بِبُهْتَانْ،
وَتَقَمَّصُوا كَيْدَ الإِخْوَةِ غَدْرًا..
مَزَّقُوا قَمِيصَ بَرَاءَتِي،
وَجَاؤُوا بِدَمٍ كَذِبْ:
«افْتَرَسَهُ الذِّئْبُ!»
وَالذِّئْبُ مِمَّا قِيلَ بَرِيءٌ..
وَالذِّئْبُ فِي ثِيَابِهِم يَمْشِي بِلَا وَجَلْ.
لَكِنَّنِي ابْنُكَ البَارُّ..
مَا حِدْتُ عَنِ العَهْدِ خُطْوَةْ،
وَلَا غَيَّرَتْ صُرُوفُ الدَّهْرِ مَعدَني،
مَا جَرِيرَتِي..
إِلَّا أَنَّ حَاسِدًا عَمِيَ عَنِ الحَقِّ فَضَاقَ بِي؟
أَنَا سَجِينُ هَذِهِ المَسَافَةِ بِلَا قُضْبَانْ،
جُرْمِي الوَحِيدُ:
حُبٌّ صَادِقٌ، وَرُوحٌ تُنَادِيكَ فِي اللَّيَالِي الطِّوَالْ.
تَعِبْتُ يَا وَالِدِي..
تَعِبْتُ مِنْ ثِقَلِ المَنَافِي، وَمِنْ صَمْتٍ لَا يُجِيبْ،
وَالرُّوحُ تَصْرُخُ بِلَوْعَتِهَا،
تَسْتَعِيرُ مِنَ الغِيَابِ صَوْتَكَ الغَالِي،
يَأْتِينِي شَجَنًا دَافِئًا فِي عَتَمَةِ السَّحَرْ:
« أبغى علِي .. جيبو علِي»
فَأَطِيرُ إِلَيْكَ كُلَّ لَيْلَةٍ طَيْفًا،
أُقَبِّلُ يَدَيْكَ.. وَأَعُودْ،
وَيَنْطَفِئُ النِّدَاءُ غَصَّةً فِي الحَنْجَرَةِ الدَّامِيَةْ.
يَا رَبَّ القُلُوبِ الكَسِيرَةْ،
فَرِّجْ عَنْ قَلْبَيْنِ أَضْنَاهُمَا الوَجَعْ؛
أَبٌ تُغَافَلَهُ الذَّاكِرَةْ،
وَابْنٌ يَقْتَاتُ لَيْلَهُ تَلَوُّعًا وَحُرْقَةْ.
اللَّهُمَّ اهْدِمْ جِدَارَ الوَاشِينَ، وَأَلِّفْ بَيْنَنَا،
وَاجْبُرْ قَلْبَهُ مِمَّا أَوْجَعَهُ الدَّهْرُ.. وَأَوْجَعْنَاهُ،
وَأَعِدْنَا إِلَى بَعْضٍ..
كَمَا أَعَدْتَ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ بَعْدَ طُولِ الغياب،
وَاخْتِمْ لَهُ بِالرِّضَا وَالطُّمَأْنِينَةِ،
فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حِجَابْ.
وَأَنَا هُنَا.. مَا زِلْتُ أَرْقُبُ الغَمَامْ،
لَعَلَّ فِيهِ بَرِيقَ وَجْهِكَ يَلُوحُ لِي،
قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ النَّجْمُ الأَخِيرْ.
كَلِمَاتُ: علِي عبد الله الوهابي
علي عبد الله الوهابي
فتح في أبيات