هذيان الصفر المطلق
تَبْكِي الحُرُوفُ وَأَنْفَاسُ الصَّقِيعِ مَعِي
وَجَمَّدَتْ كُلَّ عِرْقٍ كَانَ يَشْتَعِلُ
أُلْقِي بِقَهْرِي لِهَذَا الكَوْنِ حِينَ جَرَى
رَدُّ الدُّعَاءِ، وَسُدَّتْ دُونِيَ السُّبُلُ
إِنِّي نَقِيضُ ابْتِدَاءِ الخَلْقِ، يَعْجِنُنِي
مُرُّ النَّدَامَةِ، وَالْأَوْجَالُ تَقْتَتِلُ
كُلُّ المَعَانِي الَّتِي صِيغَتْ بِبِكْرَتِهَا
بَعْدَ ارْتِحَالِكَ صَارَتْ كُلُّهَا عِلَلُ
فَالْيَوْمَ لَا سَحَرٌ يَأْتِي لِيُبْهِجَنَا
وَكُلُّ خَارِطَةٍ قَدْ خَانَهَا القِبَلُ
تَمْشِي المَنَافِي عَلَى أَجْفَانِ أُغْنِيَتِي
فَمَا لِصَوْتِيَ فِي هَذَا المَدَى بَدَلُ
تَبَلَّدَ الوَقْتُ فِي عَيْنَيَّ، لَا زَمَنٌ
يَجْرِي، وَلَا فَرَحٌ فِي الرُّوحِ يَحْتَفِلُ
صِيغَتْ عِظَامِيَ مِنْ أَشْلَاءِ مُغْتَرِبٍ
فِي غَيْمَةٍ مِنْ غُبَارِ الصِّفْرِ تَرْتَحِلُ
أَنَا الفَرَاغُ الَّذِي يَحْوِي المَدَارَ، وَمَا
لِي فِي الوُجُودِ جِهَاتٌ حِينَ أَنْتَقِلُ
كَأَنَّنِي فِكْرَةٌ مَاتَ النَّبِيُّ بِهَا
وَلَمْ يُبَلِّغْ، فَأَمْسَى ضَوْءُهَا أَفِلُ
يَقْتَاتُنِي الصَّمْتُ، وَالرُّؤْيَا مُعَلَّقَةٌ
بَيْنَ السَّمَاءِ وَأَرْضٍ خَانَهَا الأَمَلُ
يَا لَيْتَ لِي مِنْ رَمَادِ العُمْرِ سِمْلَ قَبَا
أَثُوبُ فِيهِ، وَعَيْشِي كُلُّهُ زَلَلُ
مَا مَرَّ عُمْرِي سِوَى أَعْوَامِ غُصَّتِنَا
تَجْتَثُّ رُوحِي، وَسَيْفُ المَوْتِ يَنْتَصِلُ
قَدْ أُطْفِئَ الكَوْنُ فِي عَيْنِيَّ، وَانْقَشَعَتْ
شَمْسُ الحَيَاةِ، فَلَا عَوْدٌ وَلَا أَثَلُ
غيث الحمادي
فتح في أبيات