مكتب ربطة العنق

عُمْرٌ يُبَادُ وَرَهْنُ الْعُنْقِ فِي غُرَرِ

قَيْدٌ مِنَ الْقَمْشِ يَغْتَالُ الْفَتَى النَّضِرِ

يَشُدُّ حَلْقِيَ رَوْتِينٌ بِيَعْفُرِهِ

كَأَنَّ رَبْطَتَهُ سَوْطٌ مِنَ الشَّرَرِ

يَصِيحُ فِيقَ مُنَبِّهْ كُلِّ شَارِقَةٍ

صِيَاحَ قَيْلٍ دَعَا الأَبْطَالَ لِلْخَطَرِ

فَأَمْتَطِي سَاعَتِي وَالرُّعْبُ يَدْفَعُنِي

خَوْفَ الرَّئِيسِ وَخَوْفَ الطَّرْدِ وَالْأَثَرِ

وَقَهْوَةُ الْمَكْتَبِ الْبَيْضَاءُ قَدْ جَمَدَتْ

كَأَنَّهَا جُرْعَةٌ مِنْ دَمْعَةِ الْمَطَرِ

تَشْكُو الصَّقِيعَ فَلَا دِفْءٌ يُعَاقِرُهَا

صَارَتْ كَطَبْعِ مُدِيرِي الْجَاحِدِ الْأَشِرِ

كَأَنَّنِي طَابَعٌ جَفَّتْ مَذَانِبُهُ

يَؤُمُّ طَرْسًا عَقِيمًا شَاحِبَ الصُّوَرِ

أَمْحُو بَيَانِي بِـ حِبْرٍ جَافَّ مَعْدِنُهُ

وَأَنْقُرُ السَّطْرَ نَقْرَ الْعَاجِزِ الْحَسِرِ

هَذَا الْمِلَفُّ ضَرِيحٌ لِلْعُقُولِ غَدَا

رُكَّامَ وَهْمٍ نَمَا فِي عَالَمِ الْقَشَرِ

يَحْوِي الْأَنَامِلَ خَشْعًا فِي مَجَامِعِنَا

مِثْلَ الْأَسَارَى بِلَا وِرْدٍ وَلَا صَدَرِ

خَتْمُ الْمُدِيرِ عَلَى الطُّرُوسِ نَازِلَةٌ

تَقْضِي عَلَى نَبَضَاتِ الرُّوحِ فِي السَّحَرِ

تِلْكَ الْكَراسِيُّ أَعْوَادٌ لِمَقْصَلَةٍ

صِيغَت لِقَبْضِ شَبَابٍ بَادَ فِي الصِّغَرِ

نَسِيرُ نَحْوَ دَوِاوِينِ الشَّقَاءِ ضُحًى

نَمْشِي نُسُوخًا بِلَا سَمْعٍ وَلَا بَصَرِ

طَابُورُنَا صَارَ قَبْرًا لَا فِكَاكَ لَهُ

نَمْشِي بِهِ مِثْلَ سَيْرِ الطَّيْرِ فِي الْحَجَرِ

نَقْضِي الدَّقَائِقَ نَحْصِيهَا بِمَغْبَنَةٍ

وَالْوَجْهُ يَصْلَى بِنَارِ الْهَمِّ وَالسَّهَرِ

أَقُولُ لِلْحِبْرِ وَالْأَوْرَاقِ فِي ضَجَرٍ:

يَا رِحْلَةَ الْبُؤْسِ مُوتِي دُونَ مِنْ هَذَرِ

نَسِيتُ دَرْبَ الْعُلَا إِذْ صَارَ يَمْلِكُنِي

شُغْلِي بِحِفْظِ صُنُوفِ الْهَمِّ وَالْفِكَرِ

هَذَا السَّقِيفُ حِصَارٌ قَدْ أُحِيطَ بِنَا

فَلَا نَرَى الْفَجْرَ مَكْحُولًا بِذِي الدُّرَرِ

نَبْتَاعُ قُوتًا بِأَيَّامٍ مُذَلَّلَةٍ

وَنَقْبِضُ الْأَجْرَ مَغْلُولًا بِذِي قَتَرِ

أَقْضِي الثَّلَاثِينَ يَوْمًا فِي مُجَاهَدَةٍ

كَيْ أَشْتَرِي كِسْرَةً مِنْ خُبْزِنَا الْعَسِرِ

يَا آخِرَ الشَّهْرِ كَمْ تَأْتِي الْقُيُودُ لَنَا

سِجْنًا مِنَ الْعَيْشِ مَحْتُومًا عَلَى الْبَشَرِ

فَهَلْ أَنَا مَلِكٌ صَانَ الزَّمَانُ لَهُ

عِزًّا أَمِ الْقَيْدُ يَطْوِي رُوحَ ذِي الذُّعُرِ؟

غيث الحمادي

فتح في أبيات