حديث النبع والسراب
صَوْتَانِ فِي الدَّهْرِ: دُنْيَا الصَّمْتِ تَحْجِبُهُ
وَالْوَمْضُ أَبْدَى عَلَى بَيْدَائِنَا غَرَرَا
نَبْعٌ بِصَدْرِ جِبَالِ الْغَيْبِ مُنْزَوِيٌ
وَالْآلُ يَفْتَرِشُ الْبَيْدَاءَ مُشْتَجِرَا
يَمْتَدُّ هَذَا بِأَقْطَارِ الْفَضَاءِ سَنًى
وَذَاكَ يَقْبَعُ فِي الظَّلْمَاءِ مُسْتَتِرَا
نَادَى السَّرَابُ بِكِبْرٍ صَوْتُهُ نَغَمٌ:
"يَا نَبْعُ غَادِرْ ظَلَامَ الطَّوْدِ وَالْحَجَرَا!
أَنَا الْمَلِيكُ عَلَى الْآفَاقِ صَوْلَتُنَا
وَكُلُّ عَيْنٍ تَرَانِي قَائِدًا بَصَرَا
تَسْعَى الْأَنَامُ إِلَى رَايَاتِ مَمْلَكَتِي
وَأَنْتَ وَحْدَكَ لَا تَلْقَى لَكَ الْأَثَرَا
مَا قِيمَةُ الْحَقِّ إِنْ عِيشَتْ هَوِيَّتُهُ
فِي الْعُمْقِ نَفْيًا، وَأَبْدَى زَيْفُنَا خَبَرَا؟!
تَبْكِي الْقُرُونُ عَلَى صَمْتٍ تُعَاقِرُهُ
وَالْيَوْمُ لِلْمَظْهَرِ الْخَلَّابِ قَدْ نُصِرَا"
فَاهْتَزَّ جُوفُ جِدَارِ الصَّخْرِ فِي شَمَمٍ
وَقَالَ: "رُوحُكَ لَمْ تَفْهَمْ لَنَا عِبَرَا
أَنَا الْحَيَاةُ وَإِنْ غَابَتْ مَحَافِلُنَا
وَأَنْتَ رَكْضٌ يُعَنِّي كُلَّ مَنْ سَفَرَا
أَنَا الْجَوَاهِرُ فِي الْأَعْمَاقِ مَنْبِتُهَا
وَالْمَجْدُ لِلْأَصْلِ لَا لِلْمَنْبَتِ الشَّجَرَا
كَمْ جَاءَنِي ظَامِئٌ يَبْغِي النَّجَاةَ بِنَا
فَسَالَ دَمْعِيَ فِي أَحْشَائِهِ نَهَرَا
وَكَمْ هَوَى نَحْوَ مَغْنَاكَ الرَّحِيلُ رَجًى
فَمَاتَ مَخْذُولَ ظَنٍّ بَعْدَمَا صَبَرَا! "
قَالَ السَّرَابُ: "وَلَٰكِنِّي بِلَا عَدَدٍ
أَصِيدُ أَلْفًا وَأُلْهِي الْبَدْوَ وَالْحَضَرَا
لِيَ الشُّهُورُ وَأَثْوَابُ الضِّيَاءِ رِدَا
وَأَنْتَ قَطْرٌ مَضَى فِي حُوتِهِ خَسِرَا"
فَرَدَّهُ النَّبْعُ: "لَا تَفْخَرْ بِمَنْ سَقَطُوا
فِي قَيْدِ وَهْمِكَ إِذْ أَوْرَدْتَهُمْ سَقَرَا
مَا نَفْعُ حَشْدٍ مِنَ الْأَرْقَامِ تَجْمَعُهُ
إِذَا انْتَهَى الْفَحْصُ أَنْ لَا تَتْرُكَ الدُّرَرَا؟
أَنَا الْخُلُودُ إِذَا جَفَّتْ مَظَاهِرُكُمْ
وَمَعْدِنُ الشَّيْءِ يُبْدِي الْفَرْقَ وَالْخَطَرَا"
فَاحْفَظْ لِنَفْسِكَ عُمْقًا لَا يَمِيدُ بِهِ
عَصْرُ الْقُشُورِ وَإِنْ غَطَّى الْمَدَى صُوَرَا
إِنَّ الْجَلالَةَ فِي الْإِخْلَاصِ مَوْطِنُهَا
كَالنَّبْعِ يُحْيِي وَإِنْ لَمْ يَلْقَ مَنْ شَكَرَا
وَلَا تَغُرَّنْكَ أَقْوَامٌ بِلَا أَثَرٍ
كَمْ مِنْ ضَجِيجٍ رَأَيْنَا يَنْتَهِي صِفَرَا!
غيث الحمادي
فتح في أبيات