أثارة من دخان

أَكُلَّمَا لَمَعَتْ شَرَارَةُ حَالِمٍ

ظَنَّ السَّنَا شَمْساً بِأُفْقٍ مُظْلِمِ

وَمَشَى يَحُثُّ إِلَى الضِّيَاءِ رِكَابَهُ

فِإِذَا بِهِ يَجْثُو بِأَرْضِ العَلْقَمِ

تَمْضِي الخُطَى وَمَتَاهَةُ الدُّنْيَا مَدًى

يَطْوِي المَدَائِنَ فِي سَدَادٍ مُعْتِمِ

نَسْعَى وَفِي كُلِّ الطَّرِيقِ خَدِيعَةٌ

تَغْتَالُ نَبْضَ السَّائِرِ المُسْتَسْلِمِ

نَبْنِي مِنَ الأَوْهَامِ قَصْراً شَامِخاً

رُوحُ النَّعِيمِ بِهِ كَطَيْفٍ مُبْهَمِ

وَإِذَا دَخَلْنَاهُ رَأَيْنَا حَوْلَنَا

سُكَّانَهُ فِي صَمْتِهِمْ كَالأَعْجَمِ

تَشْتَاقُ نَفْسُ المَرْءِ صَفْوَ مَعِينِهَا

لَكِنَّهَا تَسْعَى لِحَتْفٍ مُؤْلِمِ

تَتَابَعُ اللَّقَطَاتُ فِي دَرْبِ المَدَى

وَتَزُولُ كَالأَحْلَامِ آخِرَ مَوْسِمِ

نَضْحَكْ وَنَلْهُو وَالأَمَانِي خُدْعَةٌ

كُتِبَتْ مَصَائِرُهَا بِكَفِّ المُنْعِمِ

نَبْنِي الحُصُونَ مِنَ الرِّيَاحِ تَوَهُّماً

وَالمَوْتُ يَرْقُبُنَا بِقَوْسِ الأَسْهُمِ

إِنَّ الحَيَاةَ سِيَاجُ سِجْنٍ مُحْكَمٍ

قَدْ قُدَّ مِنْ نَفَسِ الطَّرِيدِ المُرْغَمِ

تَبْدُو النَّوَافِذُ فِيهِ وَعْداً زَائِفاً

لَكِنْ خَلَا مِنْ حَارِسٍ وَمُحَكِّمِ

كَمْ عَالِمٍ ضَلَّتْ رُمُوزُ عُلُومِهِ

فَوْقَ الدَّفَاتِرِ كَالغَرِيقِ المُعْدَمِ

تَاهَتْ بِأَكْوَادِ المَدَارِ عُقُولُهُ

وَجَهُولُ قَوْمٍ نَامَ دُونَ تَوَهُّمِ

لَا تَبْكِ يَوْمًا عَنْ زَمَانٍ قَدْ مَضَى

فَالْبَكْءُ نَقْصٌ فِي شَرِيعَةِ مُلْهَمِ

وَارْقُبْ طُلُوعَ الفَجْرِ بَعْدَ غِيَاهِبٍ

وَاصْبِرْ فَمَا هَذَا الزَّمَانُ بِمُحْرِمِ

تَفْنَى الدِّيَارُ وَكُلُّ حُلْمٍ يَنْقَضِي

وَيَعُودُ رِيعُ الغَرْسِ لِلأَقْدَمِ

غيث الحمادي

فتح في أبيات