هندسة المنفى

أَبْكِي النَّضَارَةَ وَالأَيَّامُ تَلْتَهِمُ

عُمْرِي، وَفِي غُصَّةِ المَنْفَى لِيَ الضَّرَمُ

وَالْوَقْتُ صَفٌّ مِنَ الخَيْبَاتِ يَرْقُبُنِي

يَغْتَالُ نُورًا مَضَى وَالصُّبْحُ يَنْهَدِمُ

مَتَاهَةٌ مِنْ فِجَاجِ الأَرْضِ صَامِتَةٌ

تَطْوِي الحَيَاةَ وَفِي أَعْمَاقِنَا عَدَمُ

تَشَابَكَتْ فِي رِمَالِ البِيدِ أَنْفُسُنَا

كَأَنَّنَا مِنْ لَظَى الرَّمْضَاءِ نَقْتَسِمُ

عِرْقٌ نَضِيرٌ لَهُ فِي اليُبْسِ خَارِطَةٌ

لَا الرُّوحُ تَرْوَى بِهِ لَا الأَهْلُ لَا الرَّحِمُ

صَوْتِي يَمُرُّ بِفَجِّ الرِّيحِ حَشْرَجَةً

يَمْضِي إِلَى أَيْنَمَا تَقْتَادُهُ القَدَمُ

لَا نَخْلَةٌ فِي عِنَاقِ الأُفْقِ تُؤْنِسُنَا

بَلْ غَابَةٌ مِنْ جُمُودِ الصَّخْرِ تَرْتَطِمُ

غَامَ الأَثِيرُ بِمَا فِيهِ لِعُزْلَتِنَا

فَالصَّوْبُ مَحْضُ خَيَالٍ خَلْفَهُ ظُلَمُ

وَمَنْبَعُ اللَّفْظِ جَفَّتْ عَيْنُ حِكْمَتِهِ

مِثْلَ السَّرَابِ بَدَا لِلْعَيْنِ يَنْعَدِمُ

مَشَاهِدُ القَفْرِ أَقْفَالٌ مُصَمَّمَةٌ

تَسْطُو عَلَى قَاطِنِيهَا وَهْيَ تَعْتَصِمُ

تِلْكَ الفَيَافِي حِصَارٌ صِيغَ عَنْ قَدَرٍ

يَغْتَالُ صِدْقَ الفَتَى فَالنَّفْسُ تَنْحَطِمُ

تَبْكِي الزَّوَايَا عَلَى مَنْ رَامَ نَضْرَتَهَا

لَمَّا اسْتُبِدَّ بِنَا الطُّوفَانُ وَالوَهَمُ

كُنَّا نُفَتِّشُ عَنْ رِيٍّ نَلُوذُ بِهِ

وَحِضْنُ تِلْكَ الفَيَافِي لَحْدُنَا الوَخِمُ

أَنَّى التَّوَاصُلُ وَالآفَاقُ نَاشِفَةٌ

وَكُلُّ سَقْفٍ مِنَ الأَوْجَاعِ يَحْتَدِمُ

تَمْشِي الهَيَاكِلُ فِي الظَّلْمَاءِ لاهِثَةً

عَبِيدَ سَعْيٍ بِلَا رُوحٍ لَهَا قِيَمُ

يَا غُرْبَةَ العَيْنِ فِي جَدْبِ البِلَادِ أَمَا

لِلْجُودِ بَابٌ بِنُورِ الحَقِّ يَرْتَسِمُ؟

قَدْ هَنْدَسُوا المَوْتَ فِي أَبْهَى مَظَاهِرِهِ

فَكُلُّ عَيْشٍ بِهَذَا الصَّنْعِ مُتَّهَمُ

صِرْنَا ضَحَايَا بَكَتْ أَيَّامُنَا مَضَضًا

فِي مَحْفِلِ المَحْوِ حَيْثُ الحُرُّ يَنْعَدِمُ

فَاضَتْ فِجَاجُ الأَسَى عَنْ كُلِّ طَاقَتِنَا

وَالْمَرْءُ فِي قَفَصِ التَّسْوِيرِ يَنْفَصِمُ

خُذْنِي لِأَرْضٍ خَلَتْ مِنْ كُلِّ أَعْمِدَةٍ

إِلَّا ارْتِفَاعَ دُعَاءٍ حَفَّهُ الكَرَمُ!

غيث الحمادي

فتح في أبيات